مشاهدة النسخة كاملة : كان يا ما كان ..|
جرس إنذار
11-22-2011, 11:44 AM
(1)
::
/
منذ زمنٍ بعيد ودّعْتُ طفولتي ... تلك الطفولة التي أتذكر عباب ملامحها جيداً ..
وإن كنتُ الآن أستشرفُ بعضاً من إرهاصاتها الذي يظهر لي على أنّه خفت ..|
ولـ أنّنا نعشق طفولتنا فـ أي شيء فيها يستحق التوقف بحدّ ذاته .|
تلك الطفولة حين نسمع العصافير تغرد و ظلٌ ملائكي يحيطُ بـ تلك البراءة .|
جرس إنذار
11-22-2011, 11:45 AM
(2)
::
/
مذ وعيت على الدنيا وجدتني لا أعرف إلا أبوةٌ زاخره ، وتوأمٌ أذهب وإياه جيئةً وذهاباً بـ همة عالية ونشاطٍ دؤوب ، وفي الفناء الخارجي كانت جدتي دائماً ما تقابلنا بـ ثغرها الباسم وملامحها التي تكسوها تشققات الزمن ، كانت تسقي شجرة اللوز التي كانت تثمر وقت الصيف لـ نقطف ثمارها رغم صراخاات جدتي بأن ( لا شأن لكم بها ) ، أتذكر يوم وفاة جدتي أنني وأخي بكينا كثيراً من لوعة الفراغ ، وتعاهدنا تلك الشجرة بـ الإهتمام يقيناً منا أن ذلك التصرف يجعل جدتنا ترقد في قبرها بـ سلام .|
جرس إنذار
11-22-2011, 12:22 PM
(3)
::
/
تلك الشجرة التي كنتُ أبكي كثيراً حين تطالها الحجارة من أشقائي بُغية إسقاط ثمارها ، كنت أصرخ و توأمي قائلين : ( ياملاعين اتركوها ، سيبوها ، راح تغضب جدتي عليكم ، حرام عليكم ) ، لكن دون جدوى ..
|| تمنيّت لتلك الشجرة ألا تثمر أبداً ، لكن وحدها المثمرة من تُرْمى بـ الحجارة لـ يبقى إسقاطها لتلك الثمار كأحد الدروس التي ينبغى علينا أن نتعلمها نحن بنوا البشر .|
لو لم تكن مثمرة لما رُ ميت بـ الحجارة ... الناجحون في الحياة هم الذين ظهرت ثمارهم لـ يجدوا حولهم من يريد أن يظفر بها ..|
كانت أمي تعاقبني وأخي دائماً بـ سيلٍ من الحجارة ينهال علينا ، وكنا نتخذ من تلك الشجرة ملاذاً وملجأً لنا ، كانت الدرع الواقي من ذلك الرشق المتتالي من أمي فـ نشعر بها تحتضننا تماماً كما كانت جدتي تفعل ، كانت الشجرة تحفظ صنيعنا وجميل رعايتنا لها ، عندما تمطر تتهدل علينا أغصانها لـ تقينا البلل ، و عند الظهيرة ظلها الـمنتشر كان ساتراً لنا ..|
تأصل حبها في نفسي وقوي وصار صلبا كـ عودها المتجذر في الأرض لـ تستحق اللقب الذي أطلقه عليها توأمي ( أم الخير ) .|
جرس إنذار
11-22-2011, 08:41 PM
(4)
::
/
لـ أبي ومذياعه قصة عشقٍ كبيرة فـ حين كان المذياع الوسيلة الوحيدة المتاحة لنا لسماع الأخبار كنت ألتمس العذر لـه حين أراه والمذياع صنوان لا يفترقان ..
تارة ملقى أمامه ، يتأملنا بعينيه ولكن كله أذان صاغيه لـ صراخٍ يصدر من ذلك المذياع لم أكن أدرك كنهه حين كنتُ صغيراً وبعد أن اشتد عودي وعيتُ أنها أخبار .
ولن أنسى ( هنا لندن ) الكلمة التي كانت تطرق مسامعي من ذلك الراديو صباح مساء ، وبـ التأكيد لم تكن الكلمة الوحيدة التي تصدر من الراديو ولكن على الأقل هي الكلمة التي حفظتُ لفظها دون أن أعي معناها أو ما ترمي إليه ..
أذكر إحتدام الموقف في بعض الأوقات حينها بين أمي وأبي حول الراديو وكنت لا أدري طبيعته أو مالذي أدّى إلى حدوثه وحين وعيت الأمر جيداً علمتُ أن أمي كانت تفضلُ ألا يبتعد الراديو كثيراً عن بث الإذاعة السعودية العامة تحرياً لـ سماع صوت الآذان أو الإصغاء لـ حديثٍ شريف بيد أنّ أبي كان كما ألزم نفسه مصراً دائماً على تحري وتقصي الأخبار لحظة حدوثها ولكن لـ الأسف عبر إذاعة لندن فقط ولم يكن يثق كثيراً فيما تبثه الإذاعة السعودية من أخبار وبـ الأخص السياسية منها .
جرس إنذار
11-22-2011, 09:56 PM
(5)
::
/
حين كنا صغاراً كانت تدعونا شقاوتنا إلى إحداث جلبةٍ تدعوا أبي إلى النفور عنا حيث مستقره المفضل .. وحين أرمقه فيه أراه مستنداً ظهره على كرسيه الخشبي والمذياع على صدره وكـ أنه مستلقٍ على أحد شواطيء هاواي مستقبلاً أشعة الشمس .|
حين كبرنا وتغيّرت أحوالنا وتعددت لدينا وسائل الإتصال حسبت أن الأمر بين ابي والراديو سـ يأخذ في الفتور وسـ تحتلّ الفضائيات وبـ الذات الإخبارية منها الحضوة الأمثل لدى أبي عوضاً عن خليله ( الراديو) ولكن ما أدهشني حقاً حين اكتشفت ان العلاقة بين أبي والراديو كانت أكبر من مجرد علاقةٍ بين مذياع ومستمع ..!!
بل علاقة رسخت بـ طول الزمن حتى استعصى عليّ تخيّل طبيعة الأمر الذي ربط بين أبي والمذياع إلى الدرجة التي تجعله يُفَضّله على كل جديدٍ طاريء من وسائل الإتصال ..
جرس إنذار
11-22-2011, 10:21 PM
(6)
::
/
ذات مرةٍ حادثتُ نفسي بـ مصاحبة ذلك الراديو ولو لـ ساعة على الأقل لـعلى أهتدي لـ شيءٍ ما من ذلك الأمر الذي ربط أبي به ، وبعد استماعي له قرابة الساعة اكتشفت شيئاً ما لم يكن ليخطر لي على بال وهي أنّ أبي من الجيل الجميل في الزمن الجميل الذي كان يقنعه القليل عن الكثير ويقنع بما بين يديه دون البحث عما ليس متاحاً له .... الجيل الذي كانت نفوسه صافية لا تعرف الأحقاد أو الضغائن وتتمنى الخير لـ غيرها كما تتمناه لـ نفسها .. الجيل الذي ماكان يعكر يومه التفكير في غده وكان في حله وترحاله .. في صحوه ومنامه .. في قيامه وقعوده .. متوكلاً على الله دائماً وأبداً .
جرس إنذار
11-23-2011, 06:45 PM
(7)
::
/
كان حب التملك والتفرد بكل شيء يغمرني منذ الطفولة ، ظننت أن ذلك لا يعدوا كونه نزعة طفوليه كـ الكثير من النزعات التي كنت أمارسها حينذاك .. وحين كبرتُ كبُر معي ذلك الشعور ..!!
أذكر أنني كنتُ أُزاحم إخوتي على المائدة لـ أحظى بـ نصيب الأسد و كثيراً ما كنتُ أتبادل اللكمات والعراك مع توأمي كـي لا يُشاركني حضن أمي ، فتضطر لـ حبسي لـ أكفكف دموعي ..|
في السنوات الأولى من دخولي لـ المدرسة الإبتدائية كنت أجتهد كي أحظى بـ ثناء معلمي الأستاذ موسى المصري صاحب الكرشة الكبيرة _ الذي كان يحب الأكل كثيراً حتى في أثناء الحصص وعند مرور مدير المدرسة بنا يضع الباقي القليل مما يأكل في درج الطاولة الخشبية _ وعندما يشاركني أحدهم نفس الإنجاز أتناسى ما تحقّقَ لي ظناً مني أن هذا لم يكن لـ ينبغي لـ أحدٍ غيريْ ، عرفت حينها أنّها نزعةٌ شيطانيه ..|
بينَ رغبة وتملك ,
لَحظةٌ فاصلة معجونةٌ بِالكثير من التساؤلات .. تُربِكُنِي بطريقةٍ ما .,
أرفض المشاركة حقاً .|
جرس إنذار
11-24-2011, 11:31 PM
(8)
::
/
توأمي هو الشيء الأكثر جمالاً في طفولتي ، والخبر السعيد الذي أفرح آل بيتنا يوم أن خرجنا لـ الحياة توأمين متلازمين .. ذلك ما أخبرتني بـه أمي ، فـ حين كانت تأمل توأماً بعد أربعة بطون وجدت نفسها أخيراً أماً لـ طفلين اثنين في كل شيء و أعني كل شيء تماماً ، توأمان لا شكّ أنهما أرهقاها كثيراً فشقاوة أحدنا يهتز لـ وقعها بيت كامل فـ كيف ونحن توأمين وشيطان الطفولة ثالثنا ...!!
لـ شدة ملازمتنا لـ بعضنا صرنا نفهم بعضنا الآخر ، كلانا صفحةٌ مقروءة لـ الآخر وعند ارتكاب أحدنا لـ فعلة رديئة يحرص على إخفائها عن نظيره لـ أنه و بـ مجرد نظرة واحده يُكتشف الأمر تماماً ، لذلك فسجل إجرامي الطفولي لا يكاد يخلوا أي موقفٍ منه دون صحبة توأمي لـ حرصنا معاً على عدم وشايى احدنا بـ الآخر . . .
بل الأمر أكبر من ذلك فـالتوائم يستشعرون بعضهم عن بعد ..!!
أن يكون لك توأم هو أجمل تجربةٍ في سنوات الطفولة ..
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd by
hyyat4host.com diamond